عبد الرحمن بدوي
تصدير 22
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
الشارعى ، وكلهم جاءونى . . . وجاءني موسى ( بن ميمون ) فوجدته فاضلا في الغاية قد غلب عليه حبّ الرئاسة وخدمة أرباب الدنيا . وعمل كتابا في الطب جمعه من الستة عشر لجالينوس ومن خمسة كتب أخرى ، وشرط أن لا يغير فيه حرفا إلّا أن يكون واو عطف أو فاء وصل وإنما ينقل فصولا يختارها . وعمل كتابا لليهود سماه كتاب « الدلالة « 1 » » ولعن من يكتبه بغير القلم العبراني ، ووقفت عليه فوجدته كتاب سوء ، يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يظن أنه يصلحها . وكنت ذات يوم بالمسجد وعندي جمع كثير ، فدخل شيخ رثّ الثياب نيّر الطلعة مقبول الصورة فهابه الجميع ورفعوه فوقهم وأخذت في إتمام كلامي . فلما تصرّم المجلس جاءني إمام المسجد وقال : أتعرف هذا الشيخ ؟ - هذا أبو القاسم الشارعى ! فاعتنقته وقلت : إياك أطلب ! فأخذته إلى منزلي وأكلنا الطعام وتفاوضنا الحديث فوجدته كما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين : سيرته سيرة الحكماء العقلاء ، وكذا صورته ؛ قد رضى من الدنيا ببرض « 2 » لا يتعلق منها بشيء يشغله عن طلب الفضيلة . ثم لازمنى فوجدته قيّما بكتب القدماء وكتب أبى نصر الفارابي . ولم يكن لي اعتقاد في أحد من هؤلاء لأنى كنت أظنّ أن الحكمة كلها حازها ابن سينا وحشاها كتبه . . . فصار يحضرني شيئا بعد شئ من كتب أبى نصر والإسكندر وثامسطيوس : يؤنس بذلك نفارى ويلين عريكة شماسى حتى عطفت عليه أقدم رجلا وأؤخر أخرى . وشاع أن صلاح الدين هادن الإفرنج وعاد إلى القدس ، فقادت الضرورة إلى التوجه إليه فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني ، وتوجهت إلى القدس . . . ورجعت إلى دمشق . . . وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة ، وفي كتب ابن سينا زهادة » . ثم عاد إلى مصر من جديد يقرئ الناس بالجامع الأزهر . فأقام في القاهرة مدة حتى ملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الديار المصرية وأكثر الشام فتوجه إلى القدس ، ومنها إلى دمشق سنة 604 . وسافر إلى حلب ، وقصد بلاد الروم ، وأقام بها سنين كثيرة وكان في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام صاحب أرزنجان . وفي 17 ذي القعدة من سنة 625 توجه إلى أرژن الروم ، وفي 11 صفر سنة 626 رجع إلى أرزنجان ، وفي 15 ربيع الأول توجه إلى كماخ ، وفي جمادى الأولى إلى دبركى ، وفي رجب إلى ملطية ، وفي آخر رمضان إلى حلب
--> ( 1 ) يقصد « دلالة الحائرين » . ( 2 ) البرض : القليل ، وتبرض : تبلغ بالقليل من العيش .